ابن هشام الأنصاري
57
شرح قطر الندى وبل الصدى
الشّرطيّة ، فإذا قلت : « إذ ما تقم أقم » فمعناه : إن تقم أقم ؛ وقال المبرّد ، وابن السرّاج ، والفارسي : إنها ظرف زمان ، وإن المعنى في المثال : متى تقم أقم ، واحتجوا بأنها قبل دخول « ما » كانت اسما ، والأصل عدم التغيير ، وأجيب بأن التغيير قد تحقّق قطعا ، بدليل أنها كانت للماضي ، فصارت للمستقبل ، فدلّ على أنها نزع منها ذلك المعنى البتة ، وفي هذا الجواب نظر « 1 » لا يحتمله هذا المختصر . [ « مهما » اسم شرط عند الجمهور ، وزعم السهيلي وابن يسعون أنها حرف ] وأما « مهما » فزعم الجمهور أنها اسم ، بدليل قوله تعالى : مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ « 2 » ، فالهاء من « به » عائدة عليها ، والضمير لا يعود إلا على الأسماء ، وزعم السّهيلي وابن يسعون أنها حرف « 3 » ، واستدلّا على ذلك بقول زهير : « [ 10 ] » - ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
--> ( 1 ) حاصل هذا النظر أنه لم يرتض الجواب الذي أجاب به أنصار سيبويه ؛ وذلك لأن خروج الكلمة من دلالتها على زمان إلى دلالتها على زمان آخر لا يلزم منه خروجها عن أصلها في النوع من كونها اسما أو فعلا ؛ فإن الفعل الماضي دال على الزمان الماضي ، وإذا دخلت عليه إن الشرطية دل على الزمان المستقبل ، والفعل المضارع دال على الحال أو الاستقبال ، ومتى دخلت عليه لم النافية دل على الماضي ، ومع ذلك فإن أحدا من العلماء لم يذهب إلى أن واحدا من هذين الفعلين قد خرج عن أصله فصار الأول فعلا مضارعا أو الثاني فعلا ماضيا ، مثلا . ( 2 ) من الآية 132 من سورة الأعراف . ( 3 ) ظاهر كلام المؤلف أن القائل بأنها حرف يقول : إنها حرف في كل كلام وردت هي فيه ، ولهذا استدل على بطلان ذلك بمجيئها اسما في بعض الاستعمالات كالآية الكريمة ، واستدل لكونها اسما في الآية بعود الضمير عليها ، لكن من العلماء من زعم أن الذين يقولون إنها حرف لا يرون أنها في كل كلام تجيء فيه تكون حرفا ، بل هم يرون أنها قد تكون حرفا في كلام ما ، مثل ما ذكره في بيت زهير ، وهذا لا ينافي أنها تكون اسما في كلام آخر مثل الآية الكريمة . ( [ 10 ] ) - هذا البيت لزهير بن أبي سلمى المزني ، من معلقته المشهورة التي أولها : أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم * بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم وقد استشهد بهذا البيت جماعة من النحاة منهم الشارح في كتابه مغني اللبيب في مباحث « مهما » ( رقم 539 ) والأشموني في باب عوامل الجزم ( رقم 1059 ) . اللغة والرواية : « أم أوفى » كنية امرأة « دمنة » بكسر الدال وسكون الميم - هي كل ما بقي في الديار من آثار الناس بعد ارتحالهم « لم تكلم » أصله لم تتكلم ، فحذف إحدى التاءين ، والمراد أنها لم تخبر عمن تركوها أين منازلهم الآن ، وكيف أحوالهم ، و « حومانة الدراج ، والمتثلم » اسما مكانين ، و « خليقة » أي : خصلة ، وسجية ، وطبيعة ، و « خالها » أي : ظنها وحسبها . -